مقاتل ابن عطية
494
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد
الشرك لإلصاقهم الجسمية ولوازمها بالخالق العظيم . ويشهد لما قلنا ما ورد عن القرطبي ، قال : كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا والكافة بإثباتها للّه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله ، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة ، وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته . قال مالك : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة « 1 » . ومذهب مالك - وهو من أئمة السلف وأصحاب الحديث - معروف في التجسيم ، « وأهل الحديث لا يرجعون إلى القياس الجليّ والخفي ما وجدوا خبرا أو أثرا ، فكل اهتمامهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص » « 2 » . وفي مقابل أصحاب الحديث توجد فرقة تسمى بأصحاب الرأي ، « وسموا بذلك لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس ، والمعنى المستنبط من الأحكام ، وبناء الحوادث عليها وربما يقدّمون القياس الجلي على آحاد الأخبار . ومن دعاة الرأي أبو حنيفة قال : علمنا هذا رأي ، أحسن ما قدرنا عليه ، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ، ولنا ما رأينا » « 3 » . فمالك بن أنس وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري وداود الأصفهاني وغيرهم من أهل الحديث لم يتعرضوا للتأويل ، بل توقفوا فيه ، وقالوا لسنا مكلفين بمعرفة تفسير الآيات المتشابهات - التي ظاهرها التشبيه - وتأويلها ، بل التكليف عندهم قد ورد بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء « 4 » .
--> ( 1 ) عقائد السنة ص 21 نقلا عن جامع أحكام القرآن للقرطبي ، وفي نسخة الملل والنحل ج 1 / 93 ، قال مالك : « . . والكيفية مجهولة والإيمان به واجب » . ( 2 ) الملل والنحل للشهرستاني ج 1 / 206 أصناف المجتهدين . ( 3 ) الملل والنحل ج 1 / 207 . ( 4 ) نفس المصدر ج 1 / 92 - 93 بتصرف بالألفاظ وص 104 .